باتجاه النور، أبدًا

  “وما الإنسان في حد ذاته؟ أليس سوى حشرة تافهة تطنّ مصطدمة بزجاج نافذة؟” 

فرناندوا بيسوا، يوميات

لو أنني كنت ملكة، لاستغرق التعريف بي عند دخولي إلى أي بلاط في العالم وقتًا أطول مما تستغرقه حاجبة كاليسي وهي تعرّف بها. لو أنني ملكة لقال الحاجب على كل باب، قفوا، فأنتم في حضرة ابنة حقيقيات النوى، سداسية الأرجل، حاملة رتبة صاحبة الجناحين، ابنة شعبة مفصليات الأرجل، أخت ثنائيات اللقمة. قفوا للذبابة المنزلية

ورغم هذا المجد الذي ورثته كابرًا عن كابر، إلّا أنني، أحلم أن أكون فراشة.


اسمعوا، لست أشتكي البتة، صحيح أنني أحيا على المزابل، وأطُارد كما الأطفال بالشباشب، إلّا أن هذه الحياة أفضل من حياة معظم البشر، فعلى الأقل أنا في معظم الوقت حرّة، لست مطالبة في آخر الشهر بإيجار بيت، ولا أخاف قول رأيي في أي شيء حتى في الشواسمه، وفوق هذا وذاك، أطير فيما يزحف غيري. صحيح أنني أعيش، إن حالفني الحظ ونجوت من البيف باف وغيره أربعة أسابيع على الأكثر، لكن المسألة هي كيف تعيش وليس كم.


ومع هذا كلّه، ومع أنني أعرف أنه من الواجب علينا أن ننظر إلى من هم دوننا، كالإنسان، لندرك كم نحن في نعمة، إلّا أنني لا زلت أتمنى لو أنني فراشة.


وقد بدأ الأمر لحظة سمعت الأسطورة التي كان كل الذباب إلّاي يعرفها، تتحدث الأسطورة عن ذبابة، ذهبت باتجاه الضوء فعادت فراشة. فراشة بأجمل ألوان يمكن لذبابة ما أن تتخيلها، فراشة تتغذى على الأزهار لا  على زبالة أم العبد. فراشة يجري وراءها الأطفال ليلعبوا معها لا ذبابة تطاردها الأمّهات لكي يقتلنها.


أذكر جيدًا المرّة الأولى التي سمعت فيها تلك الأسطورة، كنت يومها في صف حك الأرجل لتنظيفها، يومها قالت لي صديقتي أن جدّتها قد قالت لها أغرب قصّة على الإطلاق، قالت لها الجدّة العجوز، أن جدّتها قد رأت المشهد الذي سيصبح منذ ذلك اليوم أسطورة.


في ذلك اليوم، كانت جدّة جدة وصديقاتها، ومن ضمنهنّ جدّة جدتي أنا أيضًا، يغزين بيتًا جديدًا، ورغم أن هذا البيت فيه الكثير من البشر إلّا أنهم كانوا نيامًا كلّهم، ولذا شربت جدّتي وصديقاتها حتى ارتوين، كان العصير عسليًا جدًا، لذيذ الطعم لدرجة شككن معها أنه قد يكن حرامًا، فهذا القدر من اللذة لا يأتي من شيء حلال كما كن يعتقدن، وساعدهن على هذا الظن أن ساكني المنزل، النيام، كانوا يرتدون من الثياب ما قلّ وفضح.

المهم، شربت جدتي، وشربت صديقاتها، وثملن جميعًا، وقد قرأن على الأشياء الملقاة على الأرض الكلمات التالية: الكوثر للمياه، عصير برتقال الربيع، الحب كلب من الجحيم تشارلز بوكوفسكي، سجائر جولدن فرجينيا، فودكا أبسولوت، شاورما الضيعة.


عندما تكونين ذبابة فإنك لا تتعلمين الكثير عن هذا العالم، أنتِ تتعلمين فقط ما يهم، ما يساعد على أن تقضي أسابيعك الأربعة على قيد الحياة، وكفى. ولذا تتعلمين كيف تحكين ساقيك، كيف تتناولين الطعام، وكيف لا تذهبين أبدًا باتجاه الضوء، لأن في هذا الضوء موتك.


ربما كان السبب جرعة زائدة من العصير ذي المذاق الغريب، أو ربما كان تأثير رائحة سجائر اللف، أو ربما بفعل اسم بوكوفسكي، أو ربما لا يعدو الأمر كونه لحظة شجاعة نادرة، قامت جدّتي بوداع صديقاتها، قالت لهن أنها ستذهب حيث لم يسبق لذبابة من قبل أن ذهبت وظلّت حيّة، قالت لهن أنها ستذهب باتجاه النور، مرّة واحدة وإلى الأبد.


ووسط ضحكات رقيعة من صديقاتها الذبابات اللواتي لم يكنّ أقل منها سكرًا، طارت جدّتي، طارت وكأنها تعلّمت الطيران للتو، ولم تعد، لم يسمع أحد صوت فرقعة كتلك التي يسمعها البشري يوم يأكل في مطعم نصف نظيف لحظة اصطدام ذبابة بقاتل الذباب الأزرق المضيء.


تروي جدّة صديقتي قائلة أنهن أصبن بالجنون يوم عرفن أنهن فقدن صديقتهن، لكنها تقول كذلك أن كل من كنّ في ذلك البيت قد عدن فرأين الصديقة المختفية، كل على حدة. رأينها ولمّا تعد ذبابة، لقد أصبحت فراشة، بأجمل ألوان سبق لهن أن رأينها.


بالطبع، اتهمت الحكومة الذبابية صديقاتي بالجنون، وأقسمت الملكة أنها ستجلس أي ذبابة تروي مثل هذه الهذربات على الخازوق، وتحدّثت الشيخة عن أن هذه الأكاذيب حرام، وعن أن الفراشات ستدخل النار حتمًا لأنها لا تكف عن اللهو واللعب، فيما تحدّث برنامج يسعد ذبابك عن خطورة القراءة، خاصة إن كانت مصحوبة بالفودكا.


لكن جدّة صديقتي، روت القصة لنساء عائلتي، وهنّ روينها لجدّتي، وكلّ هؤلاء الذبابات اختفين، حتى صار نسلنا مخوف الجانب، تشير إليه الذبابات الكبيرات في العمر أنه نسل ملعون.


أمّا أمّي فقد امتعنت عن السير على ذات الطريق، بل ولم تخبرني عن أسطورة عائلتنا.


واليوم، وبعد ان عرفت القصّة، فقد وصلت إلى نتيجة أن القدر قد وضع لي خطّة كبيرة، كبيرة جدًا، وهي أن عليّ أن أسير على نهج جدّة جدّتي. ودّعت صديقاتي، تخلّصت من حسابي في بنك الذباب للتسليف العقاري، ودّعت أمي (بالعقل)، وها أنا أجس في انتظار الضوء.


سأمضي إلى النور، وإن كان في النور هلاكي.

Advertisements

About jaber87

بكتب
هذا المنشور نشر في Uncategorized. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s